Extrait officiel choisi par l’auteur

صياد القلوب

Ghiyati Abdelilah

Lecture web Bassamate · aucun fichier source n’est exposé

Extrait choisi par l’auteur

مقتطف من الفصول الثلاثة الأولى

ينطلق كتاب «صياد القلوب» من سؤال أساسي: كيف يمكن أن تتحول التربية من مجرد ضبطٍ للسلوك إلى بناءٍ للإنسان، بحيث يصبح قادرًا مع الزمن على الفهم والاختيار وتحمل المسؤولية؟ ولهذا يبدأ القسم الأول من الكتاب بثلاثة أصول مترابطة: النية، والفطرة، والوحي.

في الفصل الأول، «النية — من صلاح القصد إلى رشاد الفعل»، تبدأ التربية قبل الكلمة وقبل اختيار الوسيلة، من نية المربي نفسها. فالنية تكشف لماذا يتدخل المربي، وما الذي يريده من تدخله، وما الذي يريده للإنسان الذي أمامه. غير أن صلاح النية لا يضمن وحده سلامة الفعل؛ فقد يريد المربي الخير، ثم تتحول وسيلته إلى ضغط أو خوف أو دفاع عن سلطته. ولذلك يميز الكتاب بين صلاح القصد ورشاد الفعل، ويدعو المربي إلى أن يسأل نفسه: هل ما أفعله يخدم فعلًا ما أريده لهذا الإنسان، أم أن شيئًا آخر أصبح يحركني في هذه اللحظة؟

ولا تقف التربية عند سؤال: ماذا أريد منه؟ بل تنتقل إلى سؤال أعمق: ماذا أريد له؟ فقد يريد المربي من الطفل أن يرتب غرفته الآن، لكن ما يريده له على المدى البعيد هو أن يتعلم تحمل المسؤولية؛ وقد يطلب منه الصدق في موقف معين، لكن الغاية الأوسع أن يصبح الصدق جزءًا من علاقته بنفسه وبالآخرين. ومن هنا لا يكون النجاح الحقيقي في أن يفعل الطفل الصواب تحت المراقبة، بل في أن تتكون داخله القدرة على اختياره حين يغيب المربي.

وينتقل الفصل الثاني، «الفطرة — الإنسان قبل الوسيلة»، إلى سؤال آخر: ما الذي ينبغي أن نحميه وأن ننميه في الإنسان؟ فالمربي لا يتعامل مع مادة خام يشكلها كيف يشاء، بل مع إنسان له استعدادات وحاجات وقدرات تتكشف بالتدرج. والفطرة في هذا الكتاب ليست كل رغبة عابرة، ولا تعني ترك الطفل بلا حدود أو توجيه، وإنما تشير إلى أصل في التكوين الإنساني ينبغي فهمه وحمايته وتنميته. ولذلك تصبح القاعدة: الإنسان قبل الوسيلة، والفهم يسبق الحكم.

ومن هذا المنظور لا يسأل المربي فقط: ماذا أضيف إلى الطفل؟ بل يسأل أيضًا: ما الذي ينبغي ألا أفسده؟ فقد يكون الطفل محبًا للسؤال، ثم يتعلم الصمت إذا استقبلت أسئلته بالضيق؛ وقد يحمل فضولًا معرفيًا، ثم يفقده إذا ارتبط التعلم عنده بالعقوبة وحدها. فحماية الفطرة لا تعني ترك التربية، وإنما تعني أن يكون التوجيه واعيًا بما يريد إصلاحه، وبما يجب في الوقت نفسه ألا يكسره. كما أن التربية لا تكتفي بمنع الخطأ، بل تبحث عن القدرات والاستعدادات وتفتح أمام الطفل مجالات للانشغال النافع والنمو.

أما الفصل الثالث، «الوحي — المرجعية والاتجاه»، فيبين أن فهم الإنسان واستعداداته لا يكفي وحده لتحديد الوجهة. فقد يكون الإنسان ذكيًا أو قوي الشخصية أو سريع التعلم، لكن القدرة في ذاتها لا تحدد كيف ينبغي أن تُستعمل. وهنا تأتي وظيفة الوحي بوصفه المرجعية الهادية التي تحدد الغايات الكبرى والمعايير التي تضبط الاتجاه.

والوحي في هذا التصور ليس مجرد قائمة من الأوامر والنواهي، بل شبكة من القيم تضبط نظرة المربي إلى الإنسان وعلاقته به. فليس المهم فقط أن يكون الأمر صحيحًا، بل أن تكون الطريقة والوسيلة والعلاقة منسجمة مع القيم التي نريد أن نربي عليها. لذلك لا يكفي أن نسأل: هل نجحت الوسيلة؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: بأي ثمن نجحت؟ فإذا أردنا التربية على الصدق فلا يكون الخداع وسيلتنا، وإذا أردنا بناء الكرامة فلا تكون الإهانة طريقنا، وإذا أردنا المسؤولية فلا يمكن أن يقوم كل شيء على الخوف والمراقبة.

وهكذا تؤسس الفصول الثلاثة الأولى لمنطق الكتاب كله: النية تحدد القصد، والفطرة تعرّفنا بالإنسان، والوحي يحدد المرجعية والاتجاه. ومن تفاعل هذه الأصول يبدأ الانتقال من حسن القصد إلى الرشد التربوي، ومن ضبط السلوك إلى بناء الإنسان.

La suite vous attend

Gardez l’histoire entre vos mains.

L’auteur a choisi de réserver la suite à l’édition imprimée à la demande.